في شارعنا المليء بالأنوار تضيء سماء الحي لتبعد وحشة الظلمة ، إلا أن لونها تزيد البشر نقمة ، أحياها السكان منذ زمن ، وقفت عند باب منزلنا المترهل الذي هدَه التعب والإعياء ، حتى وكأنه يريد أن يقذفنا كقذف فوهة البركان للحمم ...تكفي سخرية هذا البيت بسكانه أن مرزاب مجرى المطر يقع فوق مقدمة البيت ! إنها سخرية القدر...
وعلى عتبة البيت مرَ قطار الحياة من أمام عيني لأتذكر يوم كنا صغارا ولازلنا تجاه هذا العالم المجهول نلعب فوقها ونسامر أطفال الجيران كلٌ على عتبة منزله .. نرجم هذا.. ونشتم هذا.. وعند قرب الخطر يحمينا باب بيتنا هذا كسد منيع وحصن امن ، أمسكه اليوم وأقف أمامه وأبكي على صدره من الخوف علَه يرجع تلك الأيام ويحميني من بطش اللئام ...
يفتح إحدى درفاته الكبيرة والعالية فأسمع أنينه وصراخه يحكي لي : لم أعد ذلك الذي كان يحميك من الأعداء فصبح اليوم يا بني كثر العداء واختلفت الأساليب وألوان حتى السباع ...! لم أعبء بكلامه ، فكل الأبواب تروي نفس الحكاية ، ولها أنين وعويل وصراخ ! تمتمت بكلمات كنت أحفرها على قلبي عجيب أمر زماننا الكل يصرخ ويتألم حتى الجماد !
نظرت إلى ساحتنا المليئة بالأشجار والنخيل لأجر الماضي كيف كانت تظلنا من سطوة الشمس وقسوتها ، وليلها يحلو النوم بقربها مع نسيم الهواء المنعش ، ما بالها غدت شاحبة الوجه ! وقاسية الملمح ! ثانية جسمها مائلة ذليلة ! حتى ثمارها كان وللجيران من كرمها نصيب ،عقيمة أنت اليوم لا ولد ولا طلع...!
أين العزة والأنفة التي كنت عليها ، أما كنا بالأمس نتسلقك ونتعب في علوك ، ما أمرك يلعب بك الأطفال ويرجمونك ؟
بالله عليك أجيبي؟
قالت والحشرات من حولها والجراثيم تأكل منها، عارية من كل شيء يسترها : إنها قسوة الزمان ومكر الليل والنهار!
جلست أنظر إليها قليلا ، علَها تسرقني النظرة ، ترفع رأسها ، إلا أن حياءها المعهود منعها ...
الثوب صار مرتعا للبهائم .. والقذر حاطها ! حزنت عليك فعلا صدقيني ... التراتيل ترن في أذني من بعيد... باسمك ، من أعلى المآذن تصدع لا تكذبوني ... إلا أنه الخطأ ! هكذا سمعتها ترددها في ردَها ...
ضاقت نفسي ونفَسي ، لم أعد قادرا على المكوث ، أريد هواء ؟ أريد ماء ؟ هناك في الزاوية .. برادة ماء أعرفها ، ماءها بارد وطعم الماء فيها مختلف ، تنفست الصعداء عندها ، ما هذا! أين ذهبت نظارتها ولونها ؟ حتى أنت ...
تكسرت صنابير المياه ! من فعل هذا بك أريني إياه لألقنه درسا .. قاطعة نفسي كيف تريد حياة من انقطع الرزق عنه ؟
اكتفت هي بالصمت ... أصبح حالها جوابها ، حضنتها بقوة وشكرتها على كل شيء ، على مدًي بالحياة طيلة مسيرتي معها ، حاولت مسح الغبار عن وجهها و... إلا أن محاولاتي باءت بالفشل !
وضعت يدي على رأسي لأزيل غترة التقاليد وعقال الأعراف وأظهر بياض الشعر الذي غزى سواده لأدخل البيت ...
هنا غرفة ، وهناك غرفة ، وكذلك هناك ... كلها موصدة بالأبواب ، اليوم فقط عرفت أن أبواب بيتنا أكثر من غُرفه !
صعدت غاضبا من اكتشافي ، مستندا على أخشاب ممدودة على طول هذه الدرجات أو عقبات كالتي تواجهنا في حياتنا ما إن نصعد ونصل حتى طار النوم منا وطارت أحلامنا... أحدثت الأخشاب جرحا في يدي وكأنه ينتقم مني ! علقت النظارة على أنفي لأشاهده جيدا وجرحي ، فوجدته متكسرا ضاع لونه الذي أعرفه ، وأصبح شيخا كبيرا ، الشيب صار إليه.
اتكأت على إحدى العتبات بعد أن صعدت أربعا أو خمس درجات ، كخطيب منبر ضاع حسه بعد أن ملء عينه بالحضور، لأسحب المشهد من الذاكرة ، عندما كنت أتعلق عليه وأقفز من فوقه ، قوي شديد متين كصانعه ، نختصر مسافة النزول بالتزحلق عليه ، حتى أبي كان يفعل مثلنا ... ويحمله وبكل قوة ، تكسرت بعض أجزاءه كأسنان جدي ، والفراغات فيه شاسعة كفراغات عقولنا ...!
غرفتي تنظر إلي ، آه على غرفتي ...
تنظر إلي منكسرة .. ساح ماكياجها وصبغتها .. فستانها تمزق وأحرقت أطرافه .. ولم يبقى لديها نضارة ولا إنارة ! مكشوفة هي ! لا حجاب يسترها الكل يشاهدها عند عبثها ...
سريري المسكين .. ما جرى لك ؟ لماذا انحنيت وتمايلت كرجل طرٌب من الألحان ! ما اللهو الذي أنت فيه ؟
مكتبتي الحبيبة .. وقد غصت من الأوراق والأقلام حتى شٌنقت وخرج لسانها من وسطها ! يا لعبثها وجرمها ...
جلست على الأرض .. لا كرسيَ هنا ! مددت أرجلي ورفعت رأسي لأنظر إلى تلك المروحة التي لازالت تنبض بالحياة وتعطي مزيدا من الهواء المنعش لي ...
لكن شيئا هناك يشبهني يتحرك مثلي يتابعني إلا أنه يبكي ! يذكرني بشيء لم أره منذ مدة طويلة ، أقسم أني أعرفه ، أشير إليه... فيبادلني ، أقترب .. يقترب ، لأعرفه عن قرب ، تثاقلت خطاي ، زاغت عيني ، برد جسمي ، رجع ضيق النفس ، لم أعد قادرا على الهمس ، في وسط غرفتي سقطت ... وصدح هو بالكلمات!
وعلى سريري ماتت الأحلام وانتهت .. المنى
يا حجرتي .. يا صورتي ..
يا كل ما أحببت من هذا الوجود
يا وردتي يا أعذب الألحان في دنيا الورود
أنا صاحب البيت القديم !!
لاشيء ينطق في السكون
لا شيء يعرف.. من أكون ؟!
وسمعت صوتا يقتل الصمت الرهيب :
أنت الذي ترك الزهور ..
لكي تموت من الصقيع ..
كل الذي في البيت عاش
وظل يحلم بالربيع ..
كل الذي في البيت مات
كل الذي في البيت مات!! |